صديق الحسيني القنوجي البخاري
73
فتح البيان في مقاصد القرآن
بالغ في ذلك صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « واللّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني » « 1 » وهذه الألفاظ ثابتة في الصحيحين وغيرهما ويخص أيضا من هذا العموم يمين اللغو لقوله سبحانه لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ [ البقرة : 225 ] ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هنا لإخراج أيمان اللغو وقد تقدم بسط الكلام على الإيمان في البقرة . وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي شهيدا إما على التشبيه فهو استعارة أو باستعماله في لازم معناه فهو مجاز مرسل ، وقيل حافظا ، قيل ضامنا وقيل رقيبا لأن الكفيل يراعي حال المكفول له إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ من وفاء العهد ونقضه فيجازيكم بحسب ذلك أن خيرا فخير وإن شرا فشر وفيه ترغيب وترهيب . ثم أكد وجوب الوفاء تحريم النقض فقال وَلا تَكُونُوا فيما تصنعون من النقض بعد التوكيد كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها أي ما غزلته مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أي إبرام الغزل وإحكامه . عن ابن عباس أن سعيدة الأسدية كانت تجمع الشعر والليف فنزلت فيها هذه الآية ، وعن أبي بكر بن حفص مثله وفي الروايتين جميعا أنها كانت مجنونة ، وعن السدي في سبب نزولها قال : كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها نقضته . وعن عبد اللّه بن كثير معناه ، وقيل هي امرأة حمقاء اسمها ريطة بنت سعد بن تيم قرشية فالمشبه به معين على هذا ، وفي الكرخي المراد به تشبيه الناقض بمن هذا شأنه من غير تعيين لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عن الفعل إذا كان قبيحا والدعاء إليه إذا كان حسنا ، وذلك يتم بدون التعيين إذ لا يلزم في التشبيه أن يكون المشبه به موجودا في الخارج . أَنْكاثاً جمع نكث بكسر النون ما ينكث فتله ليغزل ثانيا بمعنى منكوث أي منقوض يقال نكث الرجل العهد نكثا من باب قتل نقضه ونبذه فانتكث ، قال ابن قتيبة هذه الآية متعلقة بما قبلها والتقدير وأوفوا بعهد اللّه ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلا وأحكمته ثم جعلته أنكاثا أي أقطاعا وأجزاء . تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ قال الجوهري : الدخل المكر والخديعة ، وقال أبو عبيدة : كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل ، وقيل الدخل ما أدخل في الشيء على فساده ، وقال الزجاج : غشا وغلا ، وقيل أصل الدخل العيب والعيب ليس من الشيء الذي يدخل
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأيمان باب 1 ، والكفارات باب 9 ، ومسلم في الأيمان حديث 7 ، وأبو داود في الأيمان باب 14 ، والنسائي في الأيمان باب 15 ، وابن ماجة في الكفارات باب 7 ، وأحمد في المسند 4 / 398 .